الشيخ السبحاني
53
سيد المرسلين
عليه السّلام على يد « عمرو بن لحي » ، ولكنها لم تكن في بداية أمرها بتلك الصورة التي وصلت إليها في ما بعد فقد كانوا يعتبرونها في بداية الأمر شفعاء إلى اللّه ووسطاء بينه وبينهم ، ولكنهم تجاوزوا هذا الحد في ما بعد حتى صاروا يعتقدون شيئا فشيئا بأنها أصحاب قدرة ذاتية مستقلة ، وأنها بالتالي آلهة وأرباب . ( 1 ) وكانت الأصنام المنصوبة حول الكعبة تحظى باحترام جميع الطوائف العربية ، ولكن الأصنام الخاصة بالقبائل فقد كانت موضع احترام جماعة خاصة فقط ، ولأجل أن تبقى حرمة هذه الأصنام والأوثان الخاصة محفوظة لا يمسها أحد بسوء كانوا ينشئون لها أماكن وبيوت خاصة ، وكانت سدانة هذه البيوت والمعابد تنتقل من جيل إلى آخر بالوراثة . أما الأصنام العائلية فقد كانت العوائل تقتنيها للعبادة كل يوم وليلة ، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنعه في منزله هو ان يتمسح به أيضا . وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها ، واتخذه ربّا وجعل ثلاثة أثافيّ لقدره ، وإذا ارتحل تركه . ( 2 ) وكان من شغف أهل مكة وحبّهم للكعبة والحرم أنه كان لا يسافر منهم أحد إلّا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم ، وحبا له فحيثما حلّوا نصبوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة صبابة بها ، ويمكن أن تكون هذه هي « الأنصاب » التي فسرت بالأحجار العادية غير المنحوتة وتقابلها الأوثان ، وهي الأحجار المنحوتة : على هيئة خاصة ، وأما « الأصنام » فهي المعمولة من خشب أو ذهب أو فضة على صورة انسان . ( 3 ) لقد بلغ خضوع العرب أمام الأصنام والأوثان حدا عجيبا جدا ، فقد كانوا يعتقدون بأنهم يستطيعون كسب رضاها بتقديم القرابين إليها ، وكانوا بعد نحر الهدايا يلطخون وجوه الأصنام ورءوسها بدماء تلك الهدايا ، وكانوا يستشيرونها في مهام أمورهم ، وجلائل شؤونهم ، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدّوا له ومعرفة عاقبته أخير هو أم شر استقسم لهم أمين القداح بقدحي